الشيخ عبد الغني النابلسي
305
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
جاؤوا به في الخبر ، أي في الإخبار عن الجناب الإلهي مما يتعقل بمقتضيات الرضوان والغضب منه تعالى في الأحكام الشرعية ، وما يتعلق بأمور الآخرة والبرزخ وأخبار الأمم الماضية والآتية قبل يوم القيامة فأثبتوا لأممهم من ذلك ما أثبته العقل وزادوا عليه بما لا يستقل العقل بإدراكه بل يحتاج في إدراكه إلى معونة من الخبر وما يحيله ، أي يحكم باستحالته العقل رأسا وإنما يقر العقل به ، أي بذلك المستحيل في حالة التجلي ، أي الانكشاف الإلهي عليه . فإذا خلا ، أي العقل بعد التجلي الإلهي بنفسه حار ، أي العقل يعني أدركته الحيرة فيما ، أي في الأمر الذي رآه من ذلك المستحيل عنده فإن كان ، أي صاحب العقل بعد ذلك في حال غفلته عبد رب ، أي تابعا لربه سبحانه في كل ما أشكل عليه مفوضا في جميع أموره إليه رد ، أي رجع العقل الحاكم منه باستحالته ذلك الأمر وامتناعه إليه ، أي إلى ربه تعالى ووقف مع إسلامه لذلك وإيمانه به وإن كان ، أي صاحب العقل عبد نظر فكري ، أي تابعا لنظره الفكري معتمدا عليه في جميع أمور دينه ودنياه كعلماء الظاهر المحجوبين عن معرفة ربهم الذوقية ومن تابعهم رد ، أي أرجع الحق الذي حار فيه إلى حكمه ، أي حكم نظره الفكري وفهمه بمقتضى عقله وجزم به كذلك . وهذا الأمر المذكور لا يكون من العبد إلا ما دام واقفا في هذه النشأة ، أي الخلقة الدنيوية الظاهرة للحس والعقل محجوبا عن القيام بحكم نشأته ، أي خلقته الأخروية الغيبية وهو كائن في حال الحياة الدنيا قبل موته منها وانتقاله إلى البرزخ كما قال سبحانه عمن هذا حاله يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ الروم : 7 ] فإن العارفين باللّه تعالى القائمين بأمره سبحانه بعد العبور عن عالم الخلق يظهرون ههنا في هذه الدار الدنيا بين الناس كأنهم ، أي حالهم الظاهر منهم للغافلين المحجوبين يشبه أنهم مثلهم قائمون في الصور الخلقية الدنيوية الجامدة في العقل والحس لما يجري عليهم ، أي على ظواهرهم من أحكامها ، أي الصورة الدنيوية من أكل وشرب ونوم وجماع وطاعة ومعصية ومرض وموت ونحو ذلك واللّه تعالى قد حوّلهم ، أي العارفين في بواطنهم في الدنيا في النشأة الأخروية لقيامهم بأمره تعالى ومفارقتهم أحوال الخلق عن كشف منهم وشهود لا بد من ثبوت ذلك لهم في طور المعرفة الذوقية . فهم ، أي العارفون بالصورة الإنسانية ، أي بسببها وسبب أحكامها الدنيوية مجهولون بين الناس كما قال تعالى : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي